عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
209
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في جعل الآية في غير الزكاة ] من جعل الآية الكريمة في غير الزّكاة ، أدخل في هذه الآية المسلم والكافر ، روى الحسن بن علي بن أبي طالب - كرّم اللّه وجهه - أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : « للسّائل حقّ ، ولو جاء على فرس » ، وقال تعالى : وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [ الذاريات : 19 ] . الأمر الثالث في تحقيق مسمّى البرّ ، قوله : « وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ » وقد تقدّم . قوله « وَفِي الرِّقابِ » متعلّق ب « آتى » وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون ضمن « آتى » معنى فعل يتعدى لواحد ؛ كأنه قال : وضع المال في الرّقاب . والثاني : أن يكون مفعول « آتى » الثاني محذوفا ، أي : آتى المال أصحاب الرّقاب في فكّها ، أو تخليصها ؛ فإنّ المراد بهم المكاتبون ، أو الأسارى ، أو الأرقّاء يشترون ، فيعتقون ، وكلّ قد قيل به . والرّقاب : جمع « رقبة » ، وهي من مؤخّر أصل العنق ، واشتقاقها من « المراقبة » ؛ وذلك أن مكانها من البدن مكان الرّقيب المشرف على القوم ؛ وبهذا المعنى : يقال : « أعتق اللّه رقبته » ، ولا يقال : « أعتق اللّه عنقه » ؛ لأنها لما سمّيت رقبة ؛ كأنها تراقب العذاب ، ومن هذا يقال للتي لا يعيش ولدها « رقوب » ؛ لأجل مراقبة موت ولدها . قوله : « وَأَقامَ الصَّلاةَ » عطف على صلة « من » ، وهي : « آمن ، وآتى » وإنما قدم الإيمان ، لأنه رأس الأعمال الدينيّة ، وثنّى بإيتاء المال ؛ لأنه أجلّ شيء عند العرب ، وبه يمتدحون ، ويفتخرون بفكّ العاني ، وقرى الضّيفان ، ينطق بذلك نظمهم ونثرهم . قوله « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ . . . » في رفعه ثلاثة أوجه : أحدها : ذكره الزمخشري : أنه عطف على « من آمن » ، أي : ولكنّ البرّ المؤمنون والموفون . والثاني : أن يرتفع على خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الموفون ، وعلى هذين الوجهين : فنصب الصابرين على المدح ؛ بإضمار فعل ، وهو في المعنى عطف على « من آمن » ، ولكن لما تكرّرت الصّفات ، خولف بين وجوه الإعراب . قال الفارسيّ : وهو أبلغ ؛ لأن الكلام يصير مشتملا على جمل متعددة ، بخلاف اتّفاق الإعراب ؛ فإنه يكون جملة واحدة ، وليس فيها من المبالغة ما في الجمل المتعدّدة . وقال أبو عبيدة : ومن شأن العرب ، إذا طال الكلام : أن يغيّروا الإعراب والنّسق ؛ كقوله تعالى في سورة النساء : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ النساء : 162 ] وفي المائدة : وَالصَّابِئُونَ [ المائدة : 69 ] وقال الفرّاء : إنما رفع « الموفون » ، ونصب « الصّابرين » ؛